سيارات رباعية الدفع مصفوفة أمام فيلات لونها بني ضارب إلى الحمرة بينها سيارة ليكزاس وأخرى بورش وتحت ظل النخيل وأشجار البونسيانة الحمراء البراقة أخذ رجال يرتدون زي العمال في تلميعها حتى تبرق.
على الجانب الآخر من الطريق المخبأ وراء جدار وفي نهاية ممر تناثر فيه الأنقاض يعيش صبري علي وزملاؤه البستانيون كل خمسة في غرفة صغيرة ويجني الواحد منهم 18 جنيها مصريا (3.35 دولار) يوميا مقابل العمل لسبع ساعات في العناية بالمروج وتشذيب الأشجار.
وينام ثلاثة منهم على أسرة ويتشارك اثنان في حصيرة على الأرض. وفي الليل يشاهدون تلفزيونا صغيرا غير ملون.
ومجتمع بالم هيلز الذي لا يتسنى دخوله إلا من خلال بوابات على بعد 15 كيلومترا إلى الغرب من القاهرة هو واحد من عشرات ظهرت بسرعة في الصحراء المحيطة بالعاصمة المصرية ليسكنها مصريون ينتمون إلى الطبقة المتوسطة العليا والذين ما عادوا يطيقون ضوضاء القاهرة وتلوثها.
ويحمل الكثير من هذه المجمعات أسماء انجليزية جذابة مثل هايد بارك وبيفرلي هيلز ويوتوبيا وايفيرجرين ويعلن عنها القائمون على مشاريع التنمية العقارية بالانجليزية في الأساس مديرين ظهورهم للغة البلاد وشعبها.
ويحمل بعضها ملامح ترجع إلى عهد الملكية مثل اسم "الأبراج الملكية" وأعمدة الإنارة التي تحمل العلامة المميزة للعائلة الملكية المصرية التي أطيح بها قبل أكثر من نصف قرن من الزمان.
لكن حتى في هذه الأماكن التي بنيت لتكون ملاذات من فوضى المدن على أراض لم تكن مأهولة قبل 20 عاما يصبح الفرار من واقع مصر القرن الحادي والعشرين وكل أشكال التفاوت الاجتماعي الموجودة بها مستحيلا.
وأدى تحرير الاقتصاد ومعدل النمو الاقتصادي الذي يحوم حول نسبة سبعة في المائة في العام على مدار العامين المنصرمين إلى تضخم طبقة الأثرياء لكن منظمة الأمم المتحدة تقول أنه في الوقت نفسه فإن نسبة الأشخاص الذين يعيشون في فقر مدقع ازدادت هي الأخرى.
ومن الصعوبة بمكان الحصول على معلومات مؤكدة بشأن توزيع الدخل في مصر لكن زيادة حادة أخيرة في أسعار الغذاء أضرت بالفقراء لأن الغذاء يستهلك نسبة كبيرة من دخلهم.
وضيق ذات اليد ليس قدر العمال اليدويين غير المهرة فحسب في البلاد التي تتسبب نسبة البطالة المرتفعة بها في انخفاض الرواتب بشكل مستديم.
ويقول أحمد النجار كبير الخبراء الاقتصاديين بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية أن دراساته تظهر أن نحو 95 في المائة من موظفي القطاع العام يعيشون في فقر.
وقال لرويترز أن "راتب المدير العام في عام 2008 أقل من راتبه الحقيقي عام 1978 ويرجع هذا إلى أن نظام الرواتب في مصر يفيد صاحب العمل. الرواتب تزيد بمعدلات أبطأ كثيرا من زيادة الأسعار."
ويقول رمضان رجب الذي يحمل الخشب للعمال الذين يبنون مدينة الصفوة على مقربة وهو مجتمع آخر مغلق ببوابات ويخضع لحراسة أنه يجني 25 جنيها في اليوم وينفق عشرة جنيهات على الطعام يوميا.
وستعوضه الزيادة التي طرأت مؤخرا على أجره والبالغة خمسة جنيهات في اليوم بالكاد عن زيادة الأسعار التي وقعت في العام المنصرم والذي شهد بلوغ معدل التضخم الإجمالي في المدن 19.7 في المائة كما ارتفعت أسعار السلع الغذائية الرئيسة بنسب تراوحت بين 25 و51 في المائة.
ولم يحصل علي والبستانيون إلا على زيادة قدرها ثلاثة جنيهات ليصل أجرهم اليومي إلى 18 جنيها ومتجر البقالة الوحيد الذي يستطيعون الوصول إليه دون الحاجة إلى استقلال المواصلات موجود في الموقع ويبيع السلع بأسعار باهظة.
ويأتي معظم العمال من محافظات بعيدة خاصة من الجنوب الذي يعاني فقرا شديدا. وقالوا إنهم يرسلون معظم ما يكسبونه من أموال إلى الأهل ويزورون أسرهم كل بضعة اشهر.
لكنهم أشاروا أيضًا إلى أن الاتصال بنمط الحياة المرفه الذي يعيشه الأشخاص الذين يخدمونهم لم يثر حسدهم أو امتعاضهم.
وقال علي "هكذا قسم الله الأرزاق... العدالة بيد الله."
ويقول أسامة عوض (26 عاما) الذي يعمل مساعدا لمساح أراض في بالم هيلز أنه يفضل تجاهل الهوة بين الأغنياء والفقراء وأضاف قائلا لرويترز "إذا فكرت في هذا فسوف أرهق نفسي."
ويشير شريف الصياد الذي انتقلت عائلته الكبيرة قبل عامين إلى فيلا كبيرة في مجمع القطامية هايتس عفي الجانب الشرقي من القاهرة إلى أنه ليست لديه تحفظات على العيش في مجمع سكني يقف حراس على بوابته.
وقال لرويترز "هذا هو أسلوب الحياة الطبيعي. لا يمكن أن نضع كل الناس معا. إذا كنت تريد أن تدفع مزيدا من المال من أجل سلامة طفلك ومن أجل الاسترخاء فهذا حقك."
ومضى يقول "أن كنت تملك المال تستطيع شراء سيارة باهظة الثمن وتستطيع شراء الأمن لأسرتك."
وتوجد بالقطامية هايتس أحد أفضل ملاعب الجولف في مصر كما تصف نفسها أيضًا بأنها منتجع لرياضة التنس. وتباع الفيلات المماثلة لفيلا الصياد بنحو أربعة ملايين ونصف المليون جنيه مصري وهو المبلغ الذي يمكن أن يجنيه بستاني في بالم هيلز خلال ألف سنة.
وانتقل هشام سراج وهو مسؤول مالي يعمل لحساب إحدى الوكالات التابعة للأمم المتحدة إلى منطقة بيفرلي هيلز قرب بالم هيلز منذ عامين لأن أطفاله لم يتوفر لهم مكان للعب قرب شقته في حي مزدحم بوسط المدينة.
وبعد أن انتقلت الوكالة التابعة للأمم المتحدة خارج المدينة يقود سيارته لمدة خمس دقائق ليصل إلى العمل ولا يذهب إلى المدينة إلا مرة أو مرتين في الشهر.
وهو يعشق المنطقة والراحة لكنه يقول أن لم ينس كم المصريين من الفقراء. وتقول منظمة الأمم المتحدة أن نحو واحد من كل خمسة منهم يعيش في فقر مدقع على دخل يقل عن دولار في اليوم.
ومضى يقول "بالطبع هذا أمر محزن. يمكنني أن أرى الاختلاف المهول بين فئة صغيرة تعيش في المجمعات السكنية حيث يملكون الفيلا والسيارات والحياة الجميلة والمدارس الخاصة بينما تعيش أغلبية السكان تحت خط الفقر."
واستطرد قائلا "لكن ماذا عساي أن أفعل؟... أود أن أوفر الراحة لأبنائي بقدر ما يمكنني."
جميع الحقوق محفوظة. 2008, ArabianBusiness
منظمة: منتجو النفط الفقراء يجب أن ينفقوا ثرواتهم...
شرطة أبوظبي تضبط شواذاً في حفلات ماجنة